الشيخ محمد النهاوندي

614

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أُعِيذُها بِكَ واجيرها بلطفك والجئها بحفظك ، وَ كذا ذُرِّيَّتَها ونسلها مِنَ كيد الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ المطرود من كل خير . عن النبي صلى الله عليه وآله : « ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد ، فيستهل صارخا « 1 » ، إلامريم وابنها » « 2 » . قيل : لما قالت حنة هذه الكلمات ، وتضرعت إلى الله في قبول مريم لعبادته ، وحفظها من إغواء الشيطان ، لفتها في خرقة ، وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار ، أبناء هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في مسجد الحرام ، وقالت : خذوا هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها ؛ لأنها كانت بنت إمامهم ، وكان بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم ، فقال لهم زكريا : أنا أحق بها ، عندي خالتها ، فقالوا : لا حتى نقرع عليها ، فانطلقوا - وكانوا سبعا وعشرين - إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم ثلاث مرات في النهر . وقيل : نهر الأردن . ففي كل مرة ارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم ، فسلموها إلى زكريا . قيل : هو معنى قوله : فَتَقَبَّلَها رَبُّها ومليكها ، ومكمّل نفسها بكمالات لائقة بها بِقَبُولٍ حَسَنٍ فكأنّه أخذها ربّها من امّها وسلّمها لزكريّا . « 3 » قيل : إنّ الحكم في تلك الشّريعة أنّه لم يكن التّحرير جائزا ، إلّا في غلام عاقل قادر على خدمة المسجد ، ومن حسن القبول أنّ اللّه بعد تضرّع حنّة ، قبل تحرير بنتها حال صغرها ، وعدم قدرتها على خدمة المسجد « 4 » وفي لفظ التّقبّل إشعار بشدّة الاعتناء بقبولها . وَأَنْبَتَها ربّها نَباتاً حَسَناً وربّاها تربية صالحة كاملة ، وهيّأ لها جميع ما يصلحها . قيل : إنّها تكلّمت في صباها كما تكلّم المسيح ، ولم تلتقم ثديا قطّ ، وكانت تنمو في اليوم مثل ما ينمو المولود في عام وَكَفَّلَها اللّه زَكَرِيَّا وجعله ضامنا لمصالحها ، وقائما بتدبير أمورها . وفي عدّة روايات من طرق أصحابنا أنّه عليه السّلام كان زوج أختها ، لا زوج خالتها . وروي أنّها لمّا صارت شابّة ، بنى زكريّا لها غرفة ، وفي رواية : محرابا في المسجد ، والظّاهر أنّ المحراب والغرفة واحد ، ولا يصعد إليها إلّا بسلّم ، ولا يدخل عليها غيره ، وإذا خرج أغلق عليها سبعة

--> ( 1 ) . زاد في تفسير الرازي : من مسّ الشّيطان . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 28 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 28 . ( 4 ) . تفسير الرازي 8 : 28 .